الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
116
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل
وقد أكد القرآن الكريم في مواضع عديدة على قضية ثبات سنن الله وعدم تغيرها ، وقد فصلنا الحديث في ذلك في تفسير الآية ( 62 ) من سورة الأحزاب ، وبالجملة فإن في هذا العالم - عالم التكوين التشريع - ثمة قوانين ثابتة لا تتغير ، عبر عنها القرآن الكريم " السنن الإلهية " والتي لا سبيل إلى تغيرها . هذه القوانين كما أنها حكمت في الماضي فإنها حاكمة اليوم وغدا . ومجازات المستكبرين الكفرة الذين لم تنفع بهم الموعظة الإلهية من هذه السنن ، ومنها أيضا نصرة أتباع الحق الذين لا ينثنون عن جدهم وسعيهم المخلص ، هاتان السنتان كانتا ولا تزالان ثابتتين أمس واليوم وغدا ( 1 ) . الجدير بالملاحظة أنه ورد في بعض الآيات القرآنية الحديث عن " عدم تبديل " السنن الإلهية ، الأحزاب - 62 ، وفي البعض الآخر الحديث عن " عدم تحويل " السنن الإلهية ، سورة الإسراء - 77 ، ولكن الآية مورد البحث أكدت على الحالتين معا . فهل أن هاتين الحالتين تعبير عن معنى واحد ، بحيث أنهما ذكرتا معا للتأكيد ، أم أن كلا منهما يشير إلى معنى مستقل ؟ بمراجعة أصل اللفظين يتضح أنهما إشارة إلى معنيين مختلفين : ( تبديل ) الشئ ، تعويضه بغيره كاملا ، بحيث يرفع الأول ويوضع الثاني ، ولكن ( تحويل ) الشئ ، هو تغير بعض صفات الشئ الأول من ناحية كيفية أو كمية مع بقائه . وعليه فإن السنن الإلهية لا تقبل الاستبدال ولا التعويض الكامل ، ولا التغيير النسبي من حيث الشدة والضعف أو القلة والزيادة . من جملتها أن الله سبحانه وتعالى يوقع عقوبات متشابهة بالنسبة إلى الذنوب والجرائم المتشابهة ومن جميع الجهات ، لا أن يوقع العقاب على مجموعة ولا يوقعه على مجموعة أخرى . ولا أن يوقع عقابا أقل شدة على مجموعة دون أخرى ، وهكذا قانون يستند إلى أصل
--> 1 - لنا شرحا مفصل بهذا الخصوص في سورتي الأحزاب والإسراء .